هاتِهِ الأرض.. كلُّها لي!‎

25 يونيو 2019
هاتِهِ الأرض.. كلُّها لي!‎

بقلم فوزية لهلال

لرمضان في بلاد المهجر طعم الشوق،ايادٍ بيضاء وقلوب شاسعة..اقتسام الرغيف والمحبة حول موائد الإفطار
كل الوجوه المحيطة بي، باختلاف ملامحها، تشَكِّلُ في وجداني وطنا وذاكرة، تُشَكِّلُ بعضي..بعض قلبي، بعض عمري وبعض جيناتي!
الوجوه في قاموسي ليست ملامح، الوجوه ارضٌ وذاكرة..وليس احب الى نفسي من عبور وجوهٍ احبُّها وتحبُّني..فهل جربتم يوما السفر عبر ملامح من تحبُّون؟
غرقت في هامشي على مائدة الإفطار، وفي تأملاتي..اعبر الوجوه..والارض والتاريخ،وكل وجه قد صار لي وطنا وبساط ريح..يطوف بي حيث تقودني تفاصيله واراضيه..وفي غمضة عين يعيدني..
تونس/سهام عن يميني، تسافر بي ملامحها الفرحة إلى باب البحر،جامع الزيتونة، تونس وحماماتها، ترحب بي في قرطاج لاند، وتُصِرُّ في سحر على إيقاظ طفولتي، وبعضا من جنوني!
سيدي بوسعيد القرية الأسطورية، بكل الخيالات التي ايقظتها بداخلي وانا ازورها ذات صيف..يهُبُّ عليَّ في حضرتها ريح شفشاون المغربية، المتدثرة في حياءها، المُغرية ببياضها المكشوف وثوبها الأزرق..
صفاقس وغابات الزيتون على امتداد البصر ،حياة الريف وطيبة الوجوه،تحملني ملامح صديقتي الى جزيرة جربة لأعانق فن الجرافيتي الذي لا يَكُفُّ عن ابهاري، جربة متحف يحتلني..ومعرض صور لا حدود لإبداعاته..وانبهاري!
جرافيتي جربة وجداريات اصيلة المغربية..احسُّ أن الاصل واحد..واحد،لا اغادر الملامح التونسية الا وقد اعلنت
انَّ هاته الأرض..لي!
استراحة قصيرة..وبعضُ لُقيماتٍ تُقيم الاود ،قبل أن اعبر ملامح خديجة/ليبيا..خديجة ولغتها الجازمة، الحاسمة التي لا تحتمل اكثر من معنى..روح ليبيا عمر المختار، شيخ الشهداء..شيخ المجاهدين..أسد الصحراء..أسد الجبل الأخضر، فهل تحملني هاته الملامح الى ليبيا ولا ازور الجبل الأخضر؟!استحضر بطولة كادت تغيب عن الأذهان..وانتشي، قبل أن اطير إلى بنغازي حيث استشهد مبتسما راضيا..اَسْتنطقُ ذاكرة الحجر فيها، وريح الدم الزكي:”يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي
وهاته الأرض الزكية..كذلك لي!
التفت إلى سهيلة ،تأكل وتتكلم..تحب اللقاء والكلام، مزيج امازيغية وعربية..ولك ان تفك طلاسم هذا الخليط اللغوي العجيب، الذي ومع الوقت صرنا نفهمه، ونحاكيه!
سهيلة وجمال نساء الاوراس المتفرد، اوراس الجزائر..منبع الثوار والمجاهدين، تاريخ ما انفك ياسرني..ارضٌ ولَّادة..مهد مصطفى بن بولعيد..والعربي بن مهيدي..وغيرهم كثير…
جبال الاوراس الشاهقة المعنى ،التي تغنى بها الشعراء حبا..يحضرني صوت محمود درويش وحبره السائل في حب جزائر الاوراس:
في بلاد كل ما فيها كبير الكبرياء
شمس افريقيا على اوراسها قرص اباء
وعلى زيتونها مشنقة للدخلاء
تعرج بي ملامح سهيلة السخية الى جسور قسنطينة ،وصوت بن باديس يرج أرجائها ،يعبرها..ويعبرني
مدينة الصخر العتيق، شابة لا يعبرها الزمن..اغراء التاريخ..المبتسمةُ من علٍ..العصية على الغزاة..قسنطينة التي أوقفت فرنسا على اعتابها سبع سنين!
تجتاز عمري وانا اعبر جسورها…والذاكرة!
فهل عاش بعض مني يوما هنا؟

فكيف لا تكون هاته الأرض لي؟
موريتانيا غائبة عن مجلسنا الرمضاني..غير أن خيالي يصر الليلة في وفاء على استحضارها …صحراء وواحات..يطير بي بساطي إلى ولاته، بوابة الصحراء..هي ذي انا بلباس صحراوي، طالما شكل جزءً من ذاكرتي..اتيه في صحراء موريطانيا الممتدة بداخلي، لا تعترف بحدود ولا بأبجديات الخرائط المشوهة، كجنين لم يكتمل نموه بعد ، اتسوق في شنقيط عيون النخيل..أصلي في مسجد المغرب بنواكشوط..لاحس أنها نفس الأرض..بنفس النبضات..
وانها كذلك…لي!
أنهي سفري غوصا في عيون سارة/المغرب..وملامح هادئة ..مريحة تغري بالإبحار…تسافر بي الى مدينة النخيل..مدينة يوسف بن تاشفين..الحمراء التي لا يزيدني قربها الا شوقا!
ارض البهجة والفرح، مهد النكتة..وجمال الروح وحرارة الترحيب..وهل مثل المراكشي الذي تدثر برداء المرح حتى لُقِّبَ بالبهجة حيثما حلَّ وارتحل؟
مدينة السبعة رجال..علماء نشروا عبر ربوعها الوعي والفكر والدين…
من مراكش الى فاس..اجوب رياضاتها ..ابوابها واسوارها..فاس العتيقة، مدينة بدون سيارات..الف دريبة ودريبة، كأنني في بلاد العجائب..وكل دريبة تقودني الى سوق وذاكرة وكنوز..توهان لذيذ في عاصمة العلم والروحانيات..فاس القرويين، أقدم جامعة في تاريخ العالم!
من طنجة الى لكويرة..وحب هاته الأرض يقتلعني ويذيب كبدي…
هي ذي ارض مولدي، ومهد صباي…وإنها لي!
هو ذا وطني الكبير..اعبره بقلب مغاربي مشرَّعٍ عن آخره..لا تسعه ارض..لا يسعه وسع..لا اكتفاء له ببعض، لا يحلم الا بكل…
مساؤكم اتحاد مغاربي شاسع كقلوبكم
عيد مبارك سعيد بطعم المحبة والوفاء
أحبكم

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص المحتوى والإعلانات، وذلك لتوفير ميزات الشبكات الاجتماعية وتحليل الزيارات الواردة إلينا. إضافةً إلى ذلك، فنحن نشارك المعلومات حول استخدامك لموقعنا مع شركائنا من الشبكات الاجتماعية وشركاء الإعلانات وتحليل البيانات الذين يمكنهم إضافة هذه المعلومات إلى معلومات أخرى تقدمها لهم أو معلومات أخرى يحصلون عليها من استخدامك لخدماتهم.

اطّلع على التفاصيل اقرأ أكثر

موافق